أخبار عاجلة
الرئيسية » آراء و تصریحات و تغریدات » سبعة أعوام على الربيع العربي: البحرين مثالا
سبعة أعوام على الربيع العربي: البحرين مثالا
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

سبعة أعوام على الربيع العربي: البحرين مثالا

✍د. سعيد الشهابي
 
كل ثورات الربيع العربي عمرها سبعة أعوام، لكن أغلبها تلاشى لأسباب أهمها القمع السلطوي أو التدخل الأجنبي أو انتهاج وسائل العنف أو استدراج قياداتها للقبول بتغييرات طفيفة في أعلى هرم السلطة مع بقاء الأنظمة السابقة. بقيت ثورة شعب البحرين الوحيدة التي لم تتوقف يوما منذ أن انطلقت في الرابع عشر من شباط/فبراير 2011.

وخلال هذه السنوات السبع العجاف تعددت أساليب السلطة لخنقها، ومن ذلك: أولا: القمع المفرط الذي اتخذ إشكالا شتى كالاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج والإعدام وسحب الجنسية والإبعاد عن البلاد. ثانيا: التدخل العسكري المباشر من قبل الجيشين السعودي والإماراتي بعد أربعة أسابيع من اندلاع الثورة، وما تزال هذه القوات متواجدة ليس لحماية الحكم فحسب بل لضمان السيطرة المطلقة على البحرين مستقبلا. ثالثا: استقدام قوات أجنبية لمواجهة المحتجين بالإضافة للقوات المذكورة، فهناك 30 ألفا من الباكستانيين ومفرزات من الشرطة الأردنية. كما تتواجد القاعدة العسكرية الأمريكية التي يوفر جنودها دعما احتياطيا للحكم. أما النمط السادس من الوجود العسكري فيتمثل بالقاعدة البحرية البريطانية التي تم تشييدها في السنوات الأربع الماضية بأموال من الخزينة البحرانية. رابعا: استقدام خبرات أمنية واسعة للتصدي لقوى الثورة وخنقها تدريجيا. فقد بعثت بريطانيا فرقا عديدة بعناوين التدريب والإشراف على السجون وتطوير القضاء، بينما وفرت هذه الفرق دعما للنظام لتقصي المعارضين واستخدام التكنولوجيا الحديثة للتجسس المتطور. خامسا: تبني النظام منظومات مزيفة في المجالات السياسية والحقوقية، للتشويش على المطالب الأساسية. فأصبح هناك «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان» و هيئة التظلمات» بالإضافة لمقولات «الدستور» و«البرلمان»، وكلها نسخ مزيفة للتظاهر بالإصلاح. سادسا: تبني مشروع إعلامي واسع بدعم سعودي وإماراتي يهدف للتأثير على وسائل الإعلام العالمية من جهة وإضعاف معنويات الجماهير، وتوظيف شركات غربية في مجال العلاقات العامة لضمان استمرار الدعم الأنكلو ـ أمريكي لنظام الحكم. ووضعت الإمكانات الإعلامية الخليجية لدعم النظام في البحرين بدون حدود، وتشويه صورة المعارضة بأساليب عديدة. سابعا: استهداف النشطاء من المعارضين في الداخل والخارج.

ويمكن القول أن استهداف النشطاء والرموز أدى لسجن أغلبهم. ولإكمال الخطة استهدف الحكم النشطاء خارج البلاد، أما بتحريض سلطات البلدان التي لجأوا إليها ضدهم، أو باستهداف عائلاتهم داخل البلاد بالاعتقال والتنكيل وتلفيق التهم ضدهم. وأغلب هذه الحقائق موثق لدى المنظمات الحقوقية الدولية.

هذه الأسباب مجتمعة ساهمت في تحجيم الثورة وحصر وجودها بالاحتجاجات اليومية التي لم تتوقف في المناطق السكنية، بدون أن يسمح لها بالوصول إلى العاصمة. ولكنها لم تستطع إنهاء الحراكات الميدانية المتواصلة، أو تقلل من فعالية أنشطة المعارضة في الداخل والخارج. وقد أظهرت فعاليات الذكرى السابعة للثورة يوم الأربعاء الماضي (14 فبراير) أن الحراك متواصل في الداخل والخارج. فقد أحصى مركز البحرين لحقوق الإنسان أكثر من سبعين احتجاجا وتجمعا مرتبطة بالذكرى، برغم الضربات الأمنية الاستباقية التي قامت السلطات الأمنية بها في الأيام التي سبقت ذلك.

كما صدرت بيانات عديدة من منظمات حقوقية دولية حول الإجراءات القمعية التي اتخذتها السلطات خصوصا الاعتقالات الجماعية وأحكام الإعدام. والواضح أن إصرار داعمي الحكم في البحرين على الاستمرار بدعمه والتصدي لمعارضيه يتواصل، هو الآخر، باضطراد. وقد قدمت وسائل إعلام أولئك الداعمين خدمات إعلامية واسعة للحكم وضد المعارضة، الأمر الذي أوقع بعضها في أزمات خطيرة. وفي مطلع الشهر أصدرت دائرة تنظيم البثت التلفزيوني في بريطانيا قرارا بإدانة قناة «العربية» السعودية لبثها برنامجا عن الرمز السياسي المعتقل، الأستاذ حسن مشيمع،. البرنامج المذكور عرض «مقابلة» مع الأستاذ مشيمع وهو في أروقة سجن «جو» بدت وكأنها عادية، ولكن عائلة مشيمع أصرت أنها انتزعت تحت الإكراه، ولم تقدم القناة توضيحا لذلك، ورفعوا شكوى ضدها لدى المؤسسة المذكورة التي أصدرت حكمها بتغريم القناة 120 ألف جنيه. ولكن الأمر الذي أزعج القائمين على القناة أن الحكم الصادر يفرض عليها نشر اعتذار واضح للأستاذ مشيمع مع توضيح ملابسات المقابلة. وحيث أن الاعتذار يفقدها المصداقية ويعيد الاعتبار للمعارضة البحرانية، فقد فضلت القناة قطع الصلة مع سلطة تنظيم البث البريطانية (اوفكوم). وهذا سيمنعها من البث من المملكة المتحدة وجميع دول الاتحاد الأوروبي. كما سيخرجها من دائرة المؤسسات الإعلامية البارزة التي تخضع لجهات رقابية مرموقة تضمن التزام المؤسسات الإعلامية بأخلاقيات المهنة كالحياد والعدالة. وزاد من تعقيد الوضع أن وكالة الأنباء القطرية رفعت شكوى ضد قناة العربية و«سكاي نيوز عربية» لبثهما تصريحات مفبركة نسبت إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عقب تعرض موقع الوكالة للقرصنة قبل أيام قليلة من فرض حصار على قطر.

بعد سبعة أعوام من الحراك الشعبي أصبح الوضع السياسي والأمني في البحرين يراوح مكانه، فلا الحكومة مستعدة لتقديم مبادرة سياسية تستجيب لبعض مطالب المعارضة، ولا المعارضة قادرة على التصعيد المطلوب لحسم الموقف. ويوما بعد آخر يتصلب الطرفان في مواقفهما، وتتسع الهوة بينهما. ويؤكد بعض رموز المعارضة استحالة عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع ثورة 14 فبراير، لأسباب عديدة: أولها أن الطرفين أصبحا متنافرين بدرجة لا يمكن معها إجراء أية مصالحة. ثانيها: أن استدعاء القوات السعودية والإماراتية لمواجهة اضطرابات محلية أخرج القضية من دائرة الخلاف المحلي المحدود وأضفى عليها بعدا إقليميا خطيرا. كما أضعف مصداقية مجلس التعاون الخليجي الذي تحرك بعض دوله خارج أطره التنظيمية التي تنص على أن التدخل العسكري في الدول الأعضاء لا يجوز إلا في حالة التصدي لعدوان خارجي على تلك الدولة، الأمر الذي لم يحدث في البحرين. وبرغم التوازن القلق بين الحكومة والمعارضة فان استمرار الأزمة طوال هذه الفترة اظهر عجزا سياسيا ودبلوماسيا وبنيويا لدى نظام الحكم. فلم يستطع فتح أي باب للحوار أو التفاهم حول ما يمكن عمله، وأصبح مرتهنا لدى السعودية والإمارات اللتين تقدمان له الدعم العسكري والمالي، فتورط في الحرب التي شنتها السعودية على اليمن. ولما افتعلت الرياض أزمة أخرى مع دولة قطر أرغم حكام البحرين على قطع العلاقات مع قطر برغم عدم وجود أي مبرر حقيقي لذلك. وعلى عكس التدخل السعودي والإماراتي السلبي في الأزمة، فأن ما تتحدث عنه السلطة من «تدخل قطري» إنما كان في حقيقته مبادرة ذاتية من الدوحة في العام 2011 لحلحلة الأمور قبل استفحالها. وكان ذلك بعلم الحكومة وموافقتها.

 

جريدة القدس العربي